تعتبر قصة سعيد بن المسيب وزواج ابنته من أبرز القصص التي تحمل في طياتها الكثير من العبر والدروس. فقد عُرف سعيد بن المسيب بحكمته وعلمه الواسع، وكانت زواج ابنته من أهم الأحداث في حياته. تعرف على هذه القصة الملهمة واستفد من تجربة هذا الرجل العظيم عبر موسوعة ” انتظر”.

زواج سعيد بن المسيب وابنته: رفض سعيد بن المسيب تزويج ابنته لولي العهد فزوجها لأبي وداعة تلميذه الفقير.

كان رجل فيه شيء من الكبر على وشك أن يخلع نعليه أمام مسجد المصطفى صلى الله عليه وسلم. وكان الناس إذا نظروا إليه بنظرة الدهشة، لم يستفزهم هذا المظهر الظاهر ولا هذه الملابس الفاخرة، بل دفعهم إلى التعجب من أن هذا الرجل بعباده وتواضعه، بكبره وكبريائه، قد وصل إلى هذا المكان. الجلوس كواحد. ومن الفقراء في مجلس الشيخ الزاهد الورع والورع: “سعيد بن المسيب”.

وتكررت هذه الصورة حتى اعتاد الناس على هذا المشهد واعتادوا عليه في الحلقات التعليمية التي كان يعقدها الشيخ سعيد… حتى إن الناظر الناظر إلى مجلسه يرى فيه الصورة الحقيقية للديمقراطية في الإسلام، ويرى فيها سماحة الإسلام كما ينبغي، وكيف يكون الناس، صغيرهم وكبيرهم. الكبار والصغار سواء في طلب العلم.

وكان للشيخ في مجلسه طلاب وأبناء بعضهم أكبر منه في السن، وبعضهم أصغر منه بقليل، والبعض الآخر صغير السن كأنهم في زماننا ما رأينا بها إلا في الحانات و الملاهي .

فذلك يا صديقي مجلس فيه بعض مجالس الرسول حين ولد الإسلام. ولو كنت من طلاب العلم المهرجين المتفاخرين، فلن يكون لك نصيب في المجلس، ولن يكون لك أدنى أمل في الرجل وتقواه.

ولم تكن هذه عصا يحملها الرجل بيده ليضرب بها مثيري الشغب.

بل إن لكلام الرجل روعة تشعرك بأنك في عالم آخر ليس فيه إلا عصا من السماء تضرب مثيري الشغب واللئام، ولشيخوخة الرجل هيبة في النفوس، وهو ليس هيبة الملوك وظلمهم، أو الحروب وويلاتهم، بل هو مزيج متكامل من كل هيبة وهيبة، فكأنك تسمع. إلى الرجل الذي يستمع إلى ملك في مملكته، وهو يسلم أوامره الصارمة لعماله المطيعين من زاوية عدله، لا من زاوية ظلمه. بالإضافة إلى ذلك، تستشعر من الرجل فزع الحرب الوحشية، وكأن كلام الرجل الذي يخرج من فمه صواريخ مدمرة، تلعن الدنيا وطالبيها، وظلم. الظالمون، وكل ما يؤدي إلى معصية الله بحبل أو صلة.

وحين ينخرط الشيخ سعيد في حديثه لا تشعر أنه إنسان يتكلم من فمه… كلام الرجل وتفسيره تفسير أسمى مستمد من مصادر النبوة! فإذا تكلم الشيخ يوما بشرح حديث أو آية يستمد منها المعاني. ولو قسم الإعجاز البليغ إلى قسمين: قسم الوحي الإلهي، وقسم التفسير البشري، لكان للرجل قسم التفسير البشري بلا جدال أو جدال.

ناهيك عن رجل وهب نفسه للخالق، فلا يتكلم إلا لله، ولا يلهم إلا الله، ولا يتكلم إلا باسم الله.

وفي أحد المرات وقف سعيد وبدأ يكلم الناس ويقول لهم:

هل تعلمون أن غضب الله سيتبعكم، وما ذلك إلا لأن سنة نبيه ضاعت فيكم، ونزعت الرحمة من قلوبكم، ووقعتم في حب التفاخر بأنسابكم ونسبكم؟ وأنه لو خير أحدكم بين أن يتزوج من نسب النبي أو يتزوج منهم، أو يتزوج من أولياء النبي وأصحابه، فالحكم أو يزوجهم، لأنه غلب عليه لقد أضله شيطان العالم وهواه فاختار الثانية، وأراك تفضلين لبناتك كل من له مال ونسب وليس كل من له علم وأخلاق، وأراك تبالغين في المهور والمطالبة منهن. منهم المبالغ الباهظة، وتفضيل الكثير منهم على القليل، وفي ذلك، كما يعلم الله، تجريد بناتكم المؤمنات من إنسانيتهن. حيث تضعها في مكان السلعة التي تطالب بثمنها، فهذا دليل على ضعف إيمانك ومخالفتك لأوامره صلى الله عليه وسلم.

وواصل الشيخ سعيد حديثه وشارك في كافة أنشطته..

واندهش الحاضرون من تأثير هذه الكلمات في نفوسهم. وهم بدورهم تم نقلهم إلى عالم الروحانية النقي، خافضين رؤوسهم ويبدون وكأنهم لم يجدوا أنفسهم في العالم ولم يضربهم العالم.

وفي هذه اللحظات الربانية كان رجلان يجلسان في آخر المجلس… لم تظهر عليهما أي علامات احترام لحرمة المسجد أو تعظيمه، كأنهما ليسا في مجلس علم، وهؤلاء هي خصائصه. تهامسوا تارة وغمزوا تارة، وابتسموا ساعة وتكلموا تارة أخرى، وكأن الله قد حجب عن قلوبهم، فأعرضوا عن العلم وأعمت بصائرهم. لا يفهمونهما، وقد فهم الشيخ سعيد ما هي وظيفة هذين وما هي حقيقتهما، وبحسه الإسلامي فهم ما يقولان وما يتجادلان فيه، وأيقن أنهما من عبد. رجال مالك بن مروان الذين جاءوا لتشويه صورة مجلسه الشريف..

وبلغت وقاحة أحدهم ذروتها إذ صاح قاطعاً كلام الشيخ قائلاً:

ها أنت في المسجد تلعب دور الشيخ الزاهد، وأنت في السوق تجمع المال، وابنتك يسابقها العظماء، وما أظن إلا أنك ممن زوجتها، ولماذا لا؟ هل يزوجها من أحد الفقراء؟

فاضطرب الحاضرون وصرخوا غضبا، وقام بعضهم وحاول إيذاء الرجلين، وارتفع صوت يقول: الشيخ عكس ذلك، وحادثته رفض ثلاثين ألف درهم، ورفض كل شيء وهدايا عبد الملك بن مروان تدل على عدم حرصه على جمع المال.

وقال آخرون: مع تاريخ زهد الرجل، وإهداء نفسه لله، وعباداته، لا يجوز أن يقول هذا الكلام في الرجل، وقد اختلط الكلام، والشيخ واقف ولا يتكلم وكأنه يجمع أجزاء محادثته أو ينتظر الإلهام بالإجابة!!

فسكت الناس وانتظروا… وتكلم الشيخ، واستمع الناس إليه باهتمام… إذ قال:

الله .. الله ..!! الدنيا حقيرة وهي لكل حقير أميل إليه وأحبه، وأحقرها من يأخذها بغير حقها، ويطلبها من غير غرضها، ويضعها في غير وجهها. حقها.

أيها الناس: لا تملا أعينكم من أعوان الظلم إلا بالإنكار عليهم في قلوبكم، حتى لا تحبط أعمالكم. يد الله فوق كل شيء. ومن رفع نفسه ووضع غيره وضعها الله. الناس في ذمة الله ويجازون على أعمالهم. إذا أراد الله أن يفضح عبداً أخرجه من ذمته وظهر ذلك. للناس عورتهم يا الله… الله..!!.. احذر أن تذكر الناس بما ليس لهم واتهامهم بما لم يفعلوا.

والله لو طلبت جمع المال ليأتيني سريعا.

وقد رأيتموني بينكم أبيع الزيت في السوق بالدراهم والدراهم، وما فضلت على ذلك هدايا الخليفة بالآلاف والمئات.

والله لم أقبل، ولن أقبل، أن تتزوج ابنتي من أحد العظماء أو أحد الوزراء، وستظهر لكم الأيام القادمة الدليل على ذلك.. الله الله..

وانفض المجلس، وخرج الناس يتحدثون عن كلام الشيخ سعيد ومكانته في نفوسهم. ورحل الرجلان حاملين كل خيبة وفشل !!

وجاء يوم تمت فيه بيعة الوليد بن عبد الملك وليا للعهد، وطلب البيعة من الشيخ سعيد، لكنه رفض وعزم على الرفض، ولم يرفض مطلقا إلا أن يصرح: إن هذا المولود ليس كذلك. فهو أهل للخلافة، وأن هناك من هو أحق بها منه.

وكانت عقوبة الشيخ أن تعرض للضرب والتعذيب والطواف في الأسواق مذلاً، وهو متمسك بإصراره وإصراره.

وجاء يوم آخر وطلب الخليفة من الشيخ سعيد أن يزوج ابنته لابنه وولي العهد (الوليد). رفض الشيخ، فتم الرفض والضرب والتعذيب، وهو يقول بكل صراحة: لا.. لا.. وظل هو الآخر مصراً وإصراراً.

تكررت مواقف الشيخ سعيد بن المسيب، وعمت شهرته في الآفاق، وفي أحد الأيام التقى الرجلان المأجوران المشاكسان في أحد مجالسهما.

أحدهما قبض على الآخر:

ألا ترى معي أننا ظلمنا الشيخ وبعنا ديننا مقابل دراهم أعطانا إياها الخليفة؟ أما آن لنا أن نتوب ونعود إلى حظيرة الحق؟

فرد عليه الثاني قائلاً: لقد كانت لدي هذه الأوهام، وفكرت فيما فكرت فيه، لكن انتظر حتى تنتهي حادثة الرجل ونعلن التوبة في ذلك اليوم، ونستغفره، ونرجع إلى الله.

وجاءت حادثة الأحداث، وعلامة تقوى الرجل معرفته لما يقول، فجلس الرجلان العاصيان – فقال الأول للثاني:

ألم تسمع بالحادثة؟

أية حادثة؟!!

الشيخ سعيد تزوج ابنته !!

من هو الوليد بن عبد الملك؟

لا.. من أبي وداعة..

من هو أبو وداعة؟ هل هو من العظماء؟

لا، أبو وداعة كان طالباً فقيراً، وكان يحضر مجالس المشايخ بانتظام.

تزوج مرة واحدة وتوفيت زوجته.

يا الله.. تزوج مرة وماتت زوجته وهو طالب فقير لا مال له..!

فكيف تم دفع المهر؟

فزوجها الشيخ بدرهم وخاتم من حديد، بل وأخذها بيده إلى بيت أبي وداعة وسلمها إليه.

هل تتكلم بصدق؟

نعم أقسم أنني أصدق ذلك..

«ويبكي الرجل الثاني ويبكي بكاءً مرًّا، فيقول له الرجل الأول: لماذا تبكي على هذا يا صديقي؟

فأجاب الرجل الثاني قائلاً:

والله لبكاء اليوم خير من عذاب الغد. فهل تقبلون أن نبيع ديننا إلى هذا الحد ويشتريه غيرنا إلى هذا الحد؟ لقد خالفنا الحق وظلمنا الرجل.

وهذه هي الحقائق التي تبين لنا حجم جريمتنا، وتؤكد أن هذا الرجل عبث، ونادرة في التاريخ. والله إني أشعر بكفر ضميري، والعار الذي أصابني وعليكم يجب أن يسجله التاريخ، فتبقى سلوكنا بين الناس سيئا، ونكتب عند الله. من المعتدين.

إيه يا أخي: لقد بالغت في تفصيل كلامنا، حتى أحسست أنه جريمة في الدنيا والآخرة. قل لي يا رب ماذا علينا أن نفعل؟

لقد بدأ ضميري يستيقظ… هل لديكم حل؟

نعم… فلنذهب إلى مجلس الشيخ سعيد ذلك الرجل طيب القلب. فإن عفا عنا فذلك رحمة من الله، فإن مصيرنا بلا شك هو غضب الله وعقابه. دعنا نذهب. تعال.

وفي مجلس الشيخ كان الرجلان جالسين وعلى خدودهما علامات البكاء، وفي قلوبهما هدوء وخشوع!!

ورأى الشيخ سعيد في الرجلين أثر الذل والاستخفاف بطالب العفو. وبحس الرجل الصادق عرف سبب مجيئهم هذه المرة! ثم امتلأ قلبه فرحاً عندما هدى الله على يديه رجلين من بعد ضلالهما.

بدأ الشيخ كلامه، واتخذ موقفاً خاطب فيه الرجلين بطريقة غير مباشرة لكي يسهل عليهما الأمر. قال:

وليس هناك عالم أو شريف أو فاضل ليس فيه عيب، إلا هناك من لا ينبغي أن تذكر عيوبه. ومن كان فضله أكبر من نقصه، عوض الله نقصه بفضله، والتوبة والرجوع إلى الحق من أفضل الفضائل.

وهنا قام الرجلان إلى الشيخ واعتذرا منه وطلبا المغفرة، فقبلهما العالم الصالح بالعفو والقبول.

واستمر – بعد ذلك – في تسجيل كلماته اللؤلؤية، وظل التاريخ يسجل أجمل أبيات الشجاعة في الإسلام:

للعالم العامل.. للإنسان المجتهد والتقي.

على يد الشيخ الزاهد الجليل (سعيد بن المسيب)!!.

قد تكون مهتمًا بـ:

وبهذا الزواج الذي جمع بين ابنته والشاب الصالح، تتمنى الأسرة السعيدة لهما حياة مليئة بالحب والسعادة. فلتكن هذه الخطوة الأولى نحو بناء أسرة قوية ومستقرة، ولتكن دعوة للسلام والتآخي بين الأسرتين. نتمنى لهما حياة زوجية مليئة بالنجاح والتوفيق.