تعتبر الغيبة من الظواهر الغامضة التي لا تزال تثير اهتمام البشر منذ القدم. تعتبر موضوعا مثيرا للجدل والتساؤلات في مختلف الثقافات والديانات. في هذه الموسوعة سنتناول مفهوم الغيبة وأنواعها وتأثيرها على الإنسان والمجتمع.
موضوع عن الغيبة
وشددت الشريعة الإسلامية على ضرورة حفظ اللسان باعتباره أحد أسباب دخول الجنة، ونيل رضوان الله تعالى. وفي الحديث الشريف عن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال: (من يضمن لي ما بين لحيته وما بين قدميه أضمن له الجنة).
ومن ناحية أخرى، فإن الشريعة الإسلامية تجعل منكرات اللسان، كالغيبة والنميمة، من أسباب دخول النار، واستحقاق غضب الله وتهديده. قال – صلى الله عليه وسلم -: (وهل يكب الناس في النار على وجوههم أو على مناخرهم إلا حصادات ألسنتهم؟)
وتعريف الغيبة هو: أن يذكر المسلم أخاه المسلم في غيبته ما يكره، ولا فرق بين أن يكون ما يذكره صحيحاً أو كاذباً. وهو قول محرم أكدت تحريمه آيات في كتاب الله العزيز وسنة نبيه الكريم، وفيما يلي بيان ذلك:
- من القرآن الكريم
وقد حرمت الآيات القرآنية الغيبة بشدة، وشبهتها بأكل جسد الميت. قال الله تعالى: “يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن” إن بعض الظن إثم، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضا، وكان أحدكم يحب أن يأكل لحم أخيه الميت، فكرهتم ذلك، واتقوا الله. حقا، الله الرحمن الرحيم.
- من السنة النبوية
مر النبي صلى الله عليه وسلم ذات يوم على قبر رجلين يعذبان. قال: (فيعذبون، ولا يعذبون في كبيرة، أما هذا فلم يكن يستتر من بوله، وأما هذا الرجل فكان يقيل) كما يجوز – قال صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أتدرون ما الغيبة؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال، قيل: ذكر أخاك بما يكره. كان قال: أرأيت ما أقول في أخي؟ قال: إن كان له ما تقول فقد اغتبته، وإن لم يكن له ما تقول فقد بهته.
الأسباب التي تدفع صاحبها إلى العودة إلى الغياب
هناك العديد من الأسباب التي تدفع الإنسان إلى الغيبة، ومن هذه الأسباب ما يلي:
- الأخذ بالمواساة من الآخرين، والتملق للأصدقاء، وكثرة أوقات الفراغ، والحسد، والإعجاب بالنفس، والتغاضي عن العيوب، والتقرب من أصحاب العمل بانتقاد العاملين الآخرين.
- عدم خوف الغيبة من ربه – سبحانه – وهذا من أعظم أسبابها.
- الارتقاء بالنفس عن طريق التقليل من شأن الآخرين.
- المزاح واللعب والمزاح.
- الرغبة في التظاهر وإظهار معرفتك بالآخرين وأحوالهم.
آثار الغيبة على الفرد والمجتمع
والغيبة لها شرور كثيرة، منها ما في الدنيا، ومنها ما يكون في الآخرة. ولهذه المفاسد آثار سلبية على الفرد والمجتمع، ويجب على المسلم أن يتنبه لها ويتنبه لها. وللحرص على اجتنابها والحذر من ارتكابها، فيما يلي توضيح لبعض آثار الغيبة على الفرد والمجتمع:
- -زيادة ميزان السيئات ونقصان ميزان الحسنات. لأنه ينطوي على العدوان والظلم تجاه الآخرين.
- الغيبة مفلسة يوم القيامة. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أتدرون ما المفلس؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال: المفلس هو). من أمتي يأتي يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة، ويأتي وقد شتم هذا وقذف هذا، فأكل مال هذا، وسفك دم هذا، وضرب هذا، وهذا يُعطى من حسناته، وهذا يُعطى من حسناته. فإن فنيت حسناته، قبل أن يقضي ما عليه، أخذ من خطاياهم فطرحت عليه، ثم طرح في النار).
- الغيبة توجب هجر صاحبها؛ ولا يجلس الناس معه، ويتجنبون الجلوس في مجلسه، وينصحونه وينكرون عليه. وأنكر المسلم المنكر بيده، ثم بلسانه، ثم بقلبه، وذلك أضعف الإيمان.
- له تأثير على الصيام؛ ومن لم يدع قول الزور فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه.
- إن الله لا يغفر ذنب الغيبة إلا أن يغفر لمن اغتابه.
كيفية تجنب الغيبة
استشعار جريمة الغيبة
وكثير من المسلمين يستهينون بهذا الذنب ويستصغرونه في أعينهم. وتراهم لا يبالون بارتكاب هذا الذنب، معتقدين أنه ذنب صغير لا يبالون به، في حين أن استشعار عظم هذا الذنب في نفس المسلم يساعده على تجنبه وتركه.
الاشتغال بالقول والعمل الصالح
وإذا كان المسلم لا يشغل لسانه بالحق والباطل فليس على المسلم إلا أن يتكلم بلطف، ويمتنع عن اللغو والألفاظ التي لا فائدة منها حتى لا يقع في مستنقع الغيبة والنميمة. كما أن وقت الفراغ وعدم شغله بما ينفع يؤدي إلى هذا الفعل المنكر؛ فقال بعض الصالحين: “فارغ مفسد”.
احرص على مرافقة الصالحين
والصديق الصالح يعين المسلم على تجنب الغيبة عندما ينهاه عنها، ويذكره بحرمتها. كما يساعده على تجنبها عندما يصرفه عنها بالكلمات الطيبة والجميلة وذكر الله عز وجل. ويمكنهم أيضًا أن يتشاركوا معًا ما ينفعهم في الدنيا والآخرة.
وتخيل الإنسان نفسه في مكان الغيبة
هناك أفعال كثيرة لا يعلم الإنسان ضررها وأضرارها إلا إذا تصور أنه سيفعلها. ومن تصور أن الناس يغتابونه فلا شك أنه سيتجنب غيبة أخيه المسلم. لأنه سيدرك آثارها المعنوية السيئة.
احرص على تكرار الأدعية
إن الاهتمام بما ورد في السنة النبوية المطهرة من الذكر يساعد المسلم على تجنب الغيبة، كما أن آيات القرآن الكريم تزود المسلم بزيادة في الورع تصده عن الغيبة والنميمة.
التذكير بأثر ترك الغيبة
ومن ترك الغيبة فهو من أفضل المسلمين. وعن أبي موسى الأشعري – رضي الله عنه – أنه قال: (يا رسول الله أي الإسلام أفضل؟ قال: من سلم المسلمون من لسانه ويده)، في إضافة إلى أن ترك الغيبة من علامات التوبة التي تكلم عنها بعض الصالحين.
الرضا والقناعة
وذلك لأن كثيرا من أطفال المسلمين يقعون في الغيبة بسبب عدم رضاهم بنعم الله تعالى. وقد يكون في قلوبهم ثقل على من رزقهم أو رزقهم نعمة، وهذا يدفعهم إلى القيل والقال وكثرة ذكر العيوب. الشخص الحسود لا يحب الخير للآخرين.
كبح الغضب والتحلي بالصبر
لأن لذلك أثراً طيباً في حفظ اللسان من الوقوع في الغيبة، كما أن العفو والتسامح يزيلان الحقد والبغضاء، وانشغال العقل بدفع الإهانة أو الغيبة. ويحمي المسلم نفسه من دوافع الغيبة والاستغفار من الآخرين عندما يطهر قلبه.
تكفير الغيبة
وذهب بعض أهل العلم إلى أن كفارة الغيبة، التي يمكن استخدامها لتكفير الذنب بعد التوبة والاستغفار؛ وتتلخص فيما يلي:
- الاعتذار وطلب العفو من الشخص الذي تتم الإساءة إليه.
- فإذا لم يمكن الاعتذار، أو كانت صعوبة ذلك كبيرة؛ ويمكن للمسلم أن يستغفر لمن اغتابه، ويحمده ويثني عليه على حسن عمله في المجلس الذي اغتابه فيه.
باختتامنا لموضوع الغيبة في موسوعة انتظر، نجد أن الغيبة تعتبر من الظواهر الغامضة التي تثير فضول الإنسان وتحمل في طياتها العديد من الأسرار والألغاز. فهي تظل موضوعًا مثيرًا للاهتمام والبحث المستمر، وتبقى محط إعجاب الباحثين والقراء على حد سواء.