تعتبر القدرة على التعلم وتحسين الذاكرة من الأمور الهامة لتعزيز أداء العقل وتطويره. في هذا الكتاب سنستكشف كيفية تحسين قدرة الدماغ على التعلم من خلال استراتيجيات وتقنيات فعالة تساعدك على تعزيز قدرتك العقلية وتعزيز مهارات التعلم والاستيعاب.
آلية الدماغ في عملية التعلم
قبل أن نبدأ، يجب فهم الطريقة التي يعمل بها الدماغ البشري حتى نتمكن من التحكم فيه قليلاً ونكون قادرين على التعلم بشكل أفضل. يتكون دماغ الإنسان من حوالي 86 مليار خلية عصبية، تعمل كل خلية عن طريق إرسال رسائل (إشارات) من الدماغ إلى جسم الإنسان. على سبيل المثال، إذا كنت تريد الكتابة الآن، فإن الخلية العصبية في الدماغ ترسل إشارة “تحريك الإصبع” إلى الخلايا العصبية في يدك. وترتبط كل خلية عصبية بعدد هائل من الخلايا الأخرى البالغ عددها 10000 خلية، مما يجعل الدماغ أشبه بشبكة عنكبوتية كبيرة. كيف تحسن قدرة عقلك على التعلم؟
أثناء عملية التعلم تحدث بعض التغيرات في الدماغ، وأهمها تكوين روابط جديدة بين الخلايا العصبية تسمى المرونة العصبية. تتعزز هذه الروابط العصبية مع استمرار التعلم، وكلما كانت هذه الروابط أقوى، تم نقل الرسائل أو الإشارات بشكل أسرع مما يؤدي إلى عملية تعلم منتجة. وعلى العكس من ذلك، عندما تتوقف عن التعلم، تضعف الروابط بين الخلايا العصبية وتتفكك. ولذلك أحيانًا تجد صعوبة في العودة لقراءة دروسك بعد توقفك عن القراءة طوال فترة الإجازة. كيف تحسن قدرة عقلك على التعلم؟
ومع ذلك، قد تصبح بعض الشبكات العصبية قوية جدًا بحيث لا يمكنها الحد من الاتصالات العصبية التي لن تختفي أبدًا. يعمل التعلم على إعادة تنشيط الخلايا العصبية التي تظهر مرونة الدماغ وقابليته للتغيرات، مما يزيد من قدرة العقل على استيعاب المعلومات وفهمها.
فكيف يمكنك مساعدة الخلايا العصبية على إنشاء وتعزيز الاتصالات؟
5 أفكار لتعزيز قدرتك على التعلم
هناك العديد من الأساليب والمنهجيات التي يمكن اتباعها لتحسين أداء الدماغ وتعزيز قدرته على التعلم، ومنها:
- لا شك أن للرياضة فوائد عديدة على المستوى البدني، بالإضافة إلى ما وجده علماء الدماغ مهماً في تحسين الذاكرة وتنشيط العقل. أظهرت العديد من الدراسات أن الرياضيين أقل عرضة للإصابة بمرض الزهايمر وتدهور وظائف المخ العقلية. ويرجع ذلك إلى زيادة تدفق الدم إلى الدماغ أثناء ممارسة الرياضة. كما أنها تساعد في معالجة نقص اتصالات الدماغ المتزامنة مع تقدم العمر.
- تنشيط الدماغ واستعادة المعلومات
- إحدى الطرق الشائعة التي يقوم بها المتعلمون أثناء الدراسة هي الاطلاع على المعلومات بعينهم والوقوع في فخ القراءة السريعة أو تسريع مقاطع الفيديو لإنهاء دروسهم بسرعة. لكن هذه الأساليب لن تنجح، لأن تقوية وتنشيط الاتصالات بين الخلايا العصبية يتطلب تكرار المعلومات أكثر من مرة، ولإنشاء اتصالات جديدة بين الخلايا والتعلم بشكل أعمق، لا بد من استعادة المعلومات.
- على سبيل المثال، إذا تعلمت مسألة حسابية جديدة فلن يكفي مجرد قراءة خطوات حل المسألة، فمن الأفضل استدعاء الحل من ذاكرتك حتى لو كان الحل خاطئًا فلن تتعلم إلا من خلال التجربة والخطأ . يقول العلماء أن المعاناة تعمل على تحسين عملية التعلم لأنه عندما تتحدى نفسك فهذا مؤشر على أن عقلك يقوم ببناء روابط جديدة. كما لاحظ العلماء أن الاختبارات والتمارين تعمل على تحسين تذكر المعلومات أكثر من مجرد القراءة.
- العقل البشري كعضلة، ينمو وينمو بالتمرين والممارسة، وعندما أهمله يضعف وينكمش. أظهرت الدراسات أن الأنشطة العقلية تحفز نشاط الروابط الجديدة بين الخلايا العصبية، بل وقد تساعد في تكوين خلايا جديدة تتطور من عملية المرونة العصبية وبناء احتياطي وظيفي يوفر الحماية ضد فقدان الخلايا في المستقبل. هناك العديد من الأفكار الجيدة لتنشيط عقلك طوال الوقت، مثل: القراءة، الرسم، التلوين، حل الكلمات المتقاطعة، لعب الورق، الألغاز وتعلم لغة جديدة.
- ومن الحيلة الجيدة أيضًا استخدام يدك غير المستخدمة (غير المسيطرة) في الأنشطة الروتينية، مثل: فرشاة الأسنان، أو تمشيط شعرك، أو تشغيل الأضواء. يمكنك أيضًا تجربة طريقة مختلفة للذهاب إلى مكان عملك أو جامعتك، أو التسوق من مكان جديد، أو تحدي نفسك بفتح باب غرفتك وأنت مغمض العينين. كل ذلك يعزز مرونة العقل والقدرة على التعلم، فمن المهم أن تحاول تحدي نفسك بشيء جديد كل يوم.
- التغذية السليمة
- “العقل السليم في الجسم السليم” منا لم يسمع هذه المقولة من آبائنا ولا حتى من معلمينا في المدرسة، رغم أن بساطة هذه الجملة تنطوي على حقيقة علمية مثبتة. كل ما تأكله يؤثر على عقلك سلباً وإيجاباً، لذلك من الضروري أن تتبع نظاماً غذائياً يتكون من الخضار والفواكه مع التقليل من الوجبات السريعة واللحوم المصنعة، للمساعدة في تنشيط عقلك والحفاظ على سلامته. يمكنك تناول الخضروات مثل البروكلي والسبانخ والطماطم والفراولة لتقوية الذاكرة وتحسين أداء وظائف المخ.
- الأطعمة الغنية بأحماض أوميجا 3 الدهنية تحافظ أيضًا على الوظيفة الإدراكية وتحمي العقل من الاكتئاب والقلق والتوتر. تحتوي البروتينات على مستويات عالية من الأحماض الأمينية التي تنتج الناقلات العصبية المرتبطة باليقظة العقلية. بالإضافة إلى حمية البحر الأبيض المتوسط التي تركز على تناول الأطعمة النباتية والحبوب الكاملة والأسماك والدهون الصحية مثل المكسرات وزيت الزيتون.
- تخصيص وقت للاسترخاء
- يجب عليك الحفاظ على التوازن بين العمل والراحة وتحديد فترات راحة محددة لتجنب التوتر واستعادة نشاطك من جديد. لاحظ العلماء أن فترات الراحة بين جلسات التعلم تعمل على تحسين الذاكرة وقدرات استيعاب المعلومات. بدلاً من الجلوس لمدة 3 ساعات متواصلة، يمكنك تقسيم الجلسة الواحدة إلى 3 جلسات مع فترات راحة للراحة للسماح لعقلك بتعزيز الروابط التي قمت بها أثناء الدراسة لزيادة كفاءة التعلم.
- النوم الكافي
- يعد النوم المتقطع أحد أهم أسباب قلة التركيز وضعف الذاكرة، حيث أثبت العلماء أن النوم يساعد على إزالة البروتينات غير الطبيعية وترسيخ الذكريات وتحسين الذاكرة وصحة الدماغ بشكل عام. يحتاج البالغون ما بين 7 إلى 8 ساعات من النوم المتواصل كل ليلة لتحقيق فوائد كبيرة وأداء مهامهم على أفضل وجه ممكن خلال النهار. لذلك كان يحاول كل ليلة أن يأخذ قدراً وافراً من النوم المتواصل لتثبيت الذكريات وتخزينها.
- العادات السيئة تضعف نشاط الدماغ
- مع العلم أن المرض هو نصف الدواء، فمن المهم أن نتعرف على العادات السيئة التي تؤثر على أدمغتنا ونحن نعلم أساليب صحية لتعزيز نشاط الدماغ.
- القلق والتوتر
- القلق هو وباء العصر الحديث حيث يعاني معظم سكان العالم اليوم من القلق المزمن، والذي بدوره يقتل الخلايا ويضعف القشرة الجبهية للدماغ المسؤولة عن الذاكرة والتعلم. بالإضافة إلى ذلك فإن القلق يزيد من ضغط الدم ويضعف جهاز المناعة ويسبب الاكتئاب ويزيد من احتمالية الإصابة بضباب الدماغ نتيجة الضغط النفسي. ونتيجة لذلك، لا يستطيع العقل المجهد التفكير بشكل صحيح أو التركيز على أي شيء.
- من أجل التعامل مع القلق والتوتر بشكل صحيح، عليك أن تكون مرنًا أثناء رد فعلك. بمعنى أنك إذا شعرت أنك تدخل في نوبة غضب، خذ نفسًا عميقًا وذكر نفسك دائمًا أنك لا تعرف كل شيء ومن غير المفهوم أن تخطئ وتقبل أن اقتراحات الآخرين قد تكون جيدة. لتجنب القلق بشأن الأمور المستقبلية، فكر جيدًا في ما يُعرض عليك وخطط لمواقف غير متوقعة وتصرف عند حدوث السيناريو الأسوأ.
- كشفت بعض الدراسات أن البالغين يجلسون لمدة 6 ساعات ونصف يوميا، وطوال هذا الوقت يحدث عدد من التغييرات في أدمغتهم. وفي دراسة أجرتها شركة Plus One عام 2018، تبين أن الجلوس لفترة طويلة يرتبط بتغيرات في الفص الدماغي المسؤول عن الذاكرة. واستخدم الباحثون فحوصات التصوير بالرنين المغناطيسي لفحص الفص الصدغي الأوسط – وهي منطقة من الدماغ مسؤولة عن صنع ذكريات جديدة – لدى أشخاص تتراوح أعمارهم بين 45 و 75 عاما، ثم قارنوا عمليات المسح بمتوسط عدد الساعات التي يجلسها هؤلاء الأشخاص. ووجدوا أن الأشخاص الذين يجلسون في أماكنهم لساعات أطول ينكمشون في مناطق الفص الصدغي الأوسط ويمكن أن يكون ذلك مقدمة للتدهور المعرفي والخرف.
- ولمواجهة الأضرار الناجمة عن الجلوس لفترة طويلة، حاول التحرك كل 15 – 30 دقيقة وممارسة بعض التمارين الخفيفة، أو المشي في أرجاء المنزل أو الوقوف وتمارين التمدد بشكل متكرر.
قد يعجبك أيضًا:
- قلة الحياة الاجتماعية
- أصبحت العزلة والانفصال عن المجتمع أمرًا شائعًا الآن، ويتحرك الجميع في عزلة، وقد تطور هذا الأمر خاصة بعد فيروس كورونا، مما أدى إلى زيادة معدلات الاكتئاب لارتباط الوحدة بالمزاج السيئ. وجدت دراسة أجريت في يوليو 2021 في مجلة Journal of Gerontology أن الأشخاص المعزولين هم الأكثر عرضة لفقدان المادة الرمادية المسؤولة عن معالجة المعلومات.
- يمكنك التفكير في التواصل الاجتماعي لصيانة الدماغ مثل ممارسة التمارين الرياضية للحفاظ على صحة الجسم. يتطلب الأمر قوة ذهنية ليس فقط لتذكر أسماء الأشخاص، بل أيضًا لمعرفة مهنتهم، وعدد أطفالهم، والتعرف على هواياتهم. هذه المحادثة تجبر عقلك على الاستماع إلى كلام المتحدث والانتباه إلى نبرة صوته ولغة جسده لتخمين ما سيقوله لك.
- إذا فقدت حماسك للتواصل مع الآخرين خاصة بعد جائحة فيروس كورونا، يمكنك التواصل مع الناس مرة أخرى من خلال البدء بمجموعة صغيرة من فردين أو ثلاثة أفراد ترغب في مشاركة اهتماماتك وأحداث يومك معهم وتأكد من الاختيار الأفراد الذين يهتمون بك حقًا لتشجيعك على التواصل معهم. إذا كنت موظفًا عن بعد وتعمل من خلال منزلك، فيمكنك قضاء بعض الوقت في مقهى أو مكتبة حيث يمكنك رؤية أشخاص جدد والتواصل معهم بشكل عفوي.
- تناول السكر والمشروبات الغازية
- هناك العديد من الدراسات التي أجريت لتقييم تأثير السكريات والحلويات المصنعة والمشروبات الغازية على جودة التعلم، وتشير هذه الدراسات إلى أن استهلاك كميات كبيرة من السكريات والمشروبات الغازية يمكن أن يؤثر سلباً على جودة التعلم.
- الحلوى المصنعة
- وفي دراسة أجريت عام 2017، وجد الباحثون أن الطلاب الذين شربوا المشروبات الغازية قبل امتحاناتهم حصلوا على درجات أقل من الطلاب الذين لم يتناولوا هذه المشروبات. وفي دراسة أخرى أجريت عام 2020، وجد الباحثون أن استهلاك السكريات قد يؤدي إلى تراجع الذاكرة والتركيز والانتباه.
- بالإضافة إلى ذلك، فإن تناول كمية كبيرة من السكريات والمشروبات الغازية يمكن أن يؤدي إلى زيادة الوزن والسمنة وارتفاع ضغط الدم، ويمكن أن تؤثر هذه الأمور على جودة التعلم بشكل غير مباشر.
- لذلك، من المهم الحفاظ على نظام غذائي صحي ومتوازن، وتجنب تناول كميات كبيرة من السكريات والمشروبات الغازية، خاصة قبل المدرسة أو العملية التعليمية. بالإضافة إلى ذلك، يجب التركيز على تناول الأطعمة الصحية الغنية بالفيتامينات والمعادن التي يحتاجها الجسم للحفاظ على صحة الدماغ والوظائف العقلية الأخرى.
في النهاية، يمكن القول أنه يمكن تحسين قدراتك التعليمية من خلال بعض التغييرات البسيطة في نمط حياتك. إذا اتبعت النصائح الصحية الأساسية مثل ممارسة الرياضة والتغذية السليمة واستعادة المعلومات وتجنب العادات السيئة، فستشعر بتحسن عام في صحتك العقلية والجسدية. علاوة على ذلك، فإن الاهتمام بصحتك العقلية قد يساعد في تحسين علاقاتك الاجتماعية وزيادة إنتاجيتك ورفاهيتك الشخصية.
في النهاية، يمكن تحسين قدرة العقل على التعلم من خلال ممارسة التحديات الذهنية، وتنويع أساليب التعلم، والحفاظ على صحة الجسم والعقل، والاستمرار في توسيع المعرفة وتطوير المهارات. كن مستعداً للتحديات واستمر في السعي لتحقيق أقصى استفادة من قدرات عقلك.